منشورات الصحافة
مقابلة الأستاذ طلال أبوغزاله مع جريدة الأيام البحرينية
متمسّك بـ «إرجاع اليهود من فلسطين المحتلة إلى أوطانهم».. أبوغزالة:
مبادرتي واقعية وتتواءم مع منطق التاريخ والجغرافيا لكنها أكبر من حجمي
كتب - حسين سبت:
قال رئيس مجموعة طلال أبو غزالة الدولية المستثمر الفلسطيني طلال أبوغزالة ان فكرة إعادة المهجّرين اليهود المقيمين في فلسطين المحتّلة إلى أوطانهم والتي أعلن عنها الشهر الماضي عبر صحيفة «الأيام» لقيت ترحيباً كبيراً في الأوساط الإعلامية والسياسية الإقليمية والدولية، داعياً إلى ضرورة أن «تتبنى قيادة الفكرة منظمات إنسانية وحقوقية أو جامعات عربية وغير غريبة بهدف دراستها وتطويرها وإطلاقها بشكل مدروس».
وأكّد أبوغزالة في لقاء مع «الأيام» أن «الفكرة أكبر من حجمه كشخص، وتحتاج إلى تضافر جهود مجموعة من المنظمات والمؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان»، وقال «هي ليست حلما غير قابل للتحقق كما حاول أن يصوّر البعض وهم قلّة، الفكرة واقعية»، وتابع «إذا كانت في الفترة الحالية تبدو وكأنها عصيّة على التطبيق فأقول هنا بأن كل ما أنجز في العالم ابتدأ كحلم، ولعل أسوأ الأحلام أو الكوابيس هو كابوس الكذبة الكبيرة بأن فلسطين هي أرض الميعاد والتي استند لها مبدأ تهجير اليهود من العالم الغربي».
ورداً على سؤال «الأيام» بشأن ما إذا كانت المنطقة العربية والمجتمع الدولي مهيئا لقبول مبادرة من هذا النوع قال أبوغزالة «الأجواء في المنطقة لم تكن أكثر جهوزية لقبول إجراءات لتنفيذ هذا الحق وهو حق عودة المهجرين اليهود لأوطانهم مثل الآن»، واستدرك بالقول «إلاّ أنني لا أريد أن أُجر للنقاش بقبول وعدم قبول الحق، لأن الحق لا يُناقش بصفته حق أو غير حق».
وقال ابو غزالة «مثلما يطالب الفلسطينيون بالعودة الى وطنهم الاصلي فلسطين، يحق لليهود المطالبة بحقهم في العودة الى أوطانهم ويجدر بنا نحن الفلسطينيين والعرب أن نشجع وندعم هذا الحق، وكلنا يعلم ان كل يهودي مهاجر الى فلسطين منذ عام 1948 هو لاجئ يحمل جنسيته الاصلية ثم حصل لاحقًا على جنسية من سلطة الاحتلال».
وذكر أبو غزالة في ذات السياق أن هناك توجهات قويّة داخل إسرائيل للهجرة والرحيل من إسرائيل، مستشهداً بتقرير سرّي للمخابرات المركزية الأمريكية تنبأ برحيل ما يقارب مليوني إسرائيلي إلى أمريكا خلال الخمسة عشر سنة الماضية، فهناك الآن مايزيد عن 500 ألف إسرائيلي يحملون الجنسية الأمريكية بالإضافة إلى وجود آلاف الطلبات من إسرائيليين بالحصول على الجنسية الأمريكية، كما تنبأ بعودة مليون ونصف إسرائيلي إلى روسيا وعدّة دول أوروبيّة.
قصّة الشعب اليهودي
تحدّث أبو غزالة حول قصّة قال بأن أغلب الناس يجهلونها، وهي بحسبه «قصّة تعود إلى عام 740 ميلادية في منطقة تقع قرب البحر الأسود وتعرف باسم خازاريا، وهي حالياً ضمن المناطق المحتلة من قبل جورجيا ولها امتدادات أخرى في روسيا وهنغاريا ولاتوانيا ورومانيا، ففي تلك البقعة وُلد العرق اليهودي»، وقال «كان أهل خازاريان من عبدة الأصنام، ويحيط بهم من الجهتين مسلمون ومسيح، وبسبب إحساسهم بالخطر كونهم ديانة غير سماوية قرّر ملكهم واسمه بولان تحويل ديانتهم إلى إحدى الديانات السماوية»، وتابع «خاف الملك بولان إن حوّل ديانته لإحدى الديانتين الإسلامية أو المسيحية من أتباع الديانة الأخرى، فقرّر التحوّل إلى اليهودية، حيث كانت كلا الجماعتين المسيحية والإسلامية على استعداد للتعامل مع اليهود».
وواصل أبو غزالة سرد القصّة بالقول «اعتنق الخازاريون اليهودية، وأصبح هذا العرق الآسيوي الذي ليس له علاقة تاريخية حقيقية بالدين اليهودي يشكّلون 90% من يهود العالم، ويُعرفون باليهود الأشكنازيين»، وقال « بعد تحوّلهم واصلوا التحدّث بلغتهم وهي لغة اليدش، وهي لغة مختلفة كلياً عن العبرية، إلاّ أن هذا العرق هو المسيطر على المسرح اليهودي في فلسطين، حتى أنه ومنذ عام 1948 أي سنة احتلال فلسطين وحتى اليوم كان ومازال كل رؤساء وزراء سلطات الاحتلال من اليهود الأشكنازيين».
وأضاف «تلك هي حقيقة الكذبة الكبيرة فهؤلاء اليهود ليس لهم أي عرق أو سلالة يهودية بل هم من أصول أخرى اعتنقت الديانة اليهودية لأسباب مصلحية، وحلم حق العودة المزعوم إلى فلسطين والمستند إلى كذبة تاريخية مفضوحة تحقق لفترة من الزمن من 48 حتى الآن وهي فترة كلمح البصر في تاريخ الشعوب، ولن يجدي نفعاً الاحتجاج بأنها قد أصبحت أمراً واقعاً لأنها لا تتواءم مع حقائق التاريخ والجغرافيا».
وتابع «إذا كان هذا الحلم الكاذب والمبني على التضليل تحقق بالمال وبما تصنعه إرادة المال، فإنني على ثقة بأن الحلم المبني على الحقيقة والإنصاف والأدلة التاريخية أكثر إمكانية للتحقيق ولذلك فإن حلم هؤلاء اللاجئين من العالم الغربي الذين انتشروا من خزاريا إلى أوروبا وأمريكا ودول أخرى، لابد أن يعودوا ولهم الحق في أن يعودوا ويجب أن نساعدهم على أن يعودوا إلى موطنهم التاريخي».
واعتبر أبوغزال أن «كل هذه العنجهية والوحشية والإجرام والتعتيم الإعلامي الذي يمارسه الاحتلال ما هي إلاّ بوادر انتهاء هذه الكذبة الكبيرة أي أنه يمثل حشرجة الموت للاحتلال والذي يجب أن يعود كما جاء».
واستشهد في هذا السياق بالضغوطات التي مارسها اللوبي اليهودي على عميدة الصحفيين في البيت الأبيض هيلين توماس عقب تصريحها الأخير في مايو الماضي والذي دعت فيه اليهود أن ينصرفوا من فلسطين والعودة من حيث قدموا، الأمر الذي أدّى إلى خروجها من البيت الأبيض، معتبراً ذلك أحد المؤشرات التي تشير إلة تنامي الوعي العالمي بضرورة رحيل اليهود من فلسطين المحتلّة كحل وحيد لمشكلة الشرق الأوسط.
حقائق التاريخ والجغرافيا
وذكر أبوغزالة أن «هذا الاحتلال الذي يزعم أنه دولة جاءت عكس كل منطق التاريخ والجغرافيا، حيث ابتدأ بهجرة العصابات لفلسطين ثم القوات المسلحة المجهزة من الدول الأوروبية والغربية والتي أنشأت جيشاً احتل البلاد وأكره مواطنيها الفلسطينيين على اللجوء وجاء بما يسمى بالشعب ليقيم ما يسمى بالدولة فأي دولة هي هذه التي تتأسست على أرض دولة وشعب آخر، من خلال عصابات يتبعها جيش ثم تستدعي اللاجئين ليقولوا اننا شعب هذه الدولة».
وأضاف «منطق التاريخ والجغرافيا سيفرض حق عودة اللاجئين نفسه وينهي الاحتلال من خلال عودة اللاجئين اليهود إلى ديارهم الموجودين في فلسطين وهم كل من جاء لفلسطين ممن يدعون أنهم يهود وعودة كل من هو من أصل فلسطيني إلى وطنه فلسطين».
وقال «أودّ أن أضيف تصحيحاً على ما يجري تداوله بأن عدد الفلسطينيين أو المنحدرين من أصل فلسطيني هو 10 ملايين او يزيد، وأقول تصحيحاً لذلك أن العدد أقرب إلى الـ 50 مليونا»، وأضاف «لكل من يستغرب هذا الرقم أرجوه أن يفكّر في كم كان عدد الذين هجروا عام 48 وعام 67 وكم أصبح عدد المنحدرين من سلالتهم الآن؟!»، وتابع «ولعلي أجدني مضطراً أن أفشي سراً بأن عائلة والدي عندما خرج من فلسطين كان معه ثلاثة عشر فرداً إضافة إلى أمّيأي ما مجموعه 15 في حين أن عدد المنحدرين من والدي من أبناء وبنات وأحفاد وحفيدات يصل إلى 150 فرداً».
وقال «لست سياسياً ولا مؤرخاً، ولا أدعي أي معرفة بالقضايا المتعلقة بحلول إنهاء الاحتلال في فلسطين، وإنما أتحدث هنا من موقعي كمواطن عربي، ولد في يافا في فلسطين وعاش من خلال التجربة العملية حياة اللجوء ومعاناته، وآمن بأن من أبرز وأهم حقوق الإنسان حق العودة إلى الوطن».
وأضاف «من منطلق إيماني بحق عودتي وعودة كل فلسطيني إلى وطنه فلسطين، أي كامل فلسطين من البحر إلى النهر، كذلك من منطلق أخلاقي وبعيداً عن المعايير المزدوجة التي تمارسها القوى المهيمنة على العالم، فمن الأولى تطبيق نفس المعيار على اللاجئين اليهود الموجودين حالياً في فلسطين».
وذكر أن «المستهدف بالحديث هو كل يهودي موجود على تراب فلسطين، ممن هاجر من بلاده قسراً وتحت ظروف الحاجة، نتيجة التعذيب والاضطهاد والتمييز العنصري الذي مورس على اليهود في الغرب عامة ودول أوروبا جميعها، إضافة إلى المهجرين من أميركا والدول العربية الأخرى، بخلاف المفهوم الخاطئ بأن عملية التعذيب الوحيدة قد تمت في ألمانيا، لأن التعذيب بدأ في دول أخرى قبل ألمانيا وقبل (الزعيم النازي أدولف) هتلر».
وقدم أمثلة على ذلك، منها «العام 1400 حينما منع اليهود من دخول روسيا، والعام 1414 حينما طردت مدينة كولوم في فرنسا اليهود، وعام 1421 حينما طرد اليهود من النمسا، و1492 بطردهم من غراندا، والعام 1497 بطردهم من البرتغال، و1555 حينما قرر البابا بول الرابع حصر اليهود في روما ضمن حائط مقفل عليهم، لكي يدفعوا ثمن الأخطاء ويتراجعوا عنها، والعام 1648 حينما دمرت أوكرانيا منازل اليهود، وعام 1744 حينما طرد اليهود من بوهيميا وموريفيا، والعام 1789 حينما ألغت الجمعية العمومية الفرنسية حقوق مساواة اليهود في فرنسا، وعام 1807 حينما أجبر نابليون الحاخامات اليهود على ترك الديانة اليهودية وإعطاء الولاء لفرنسا، وعام 1881 حينما حمّل القيصر الروسي اليهود مسؤولية قتل والده ووعده بقتل ثلث اليهود الموجودين، وعام 1893 حينما اعتبرت فرنسا اليهود مسؤولين عن انهيار شركة قناة بنما التي كلفت المستثمرين الفرنسيين مبالغ طائلة».
وتابع قائلاً «ربما نستذكر أيضاً اليهودي الأمريكي هنري فورد الذي اعتبر أن اليهود مشكلة العالم الدولية، وصرف الأموال الطائلة في الإعلام ومختلف الوسائل لشن حملة ضدهم، كما أورد أفكاره في كتاب حمل عنوان «اليهودي العالمي - بروتوكولات حكماء صهيون: المشكلة الأولى التي تواجه العالم، اعتبر الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت أن اليهود مشكلة أميركا وسيأتي يوم يندم فيه الأمريكيون على وجود اليهود بينهم».
وقال أبو غزالة إن «وجود اليهود في فلسطين أو هجرتهم إليها لم تكن نزهة أو بموجب حق قانوني أو تاريخي، بل جاءت نتيجة ظروف التعذيب في الغرب، بعكس الحال الذي كان سائداً في فلسطين والمنطقة العربية من حسن ضيافة قبل العام 1948».
وأشار إلى أن «اليهود اليوم يشعرون بنفس الشعور الذي كانوا يشعرون به في الغرب من قلق على مستقبلهم وحياتهم، لأن الغرب استعملهم كأداة بعد أن أخرجهم ليتخلص منهم وكمخلب لمحاربة والسيطرة على المحيط العربي مما خلق بطبيعة الحال عداوة طبيعية بسبب أن وجودهم المصطنع بطبيعته جعل منهم أعداء غير مرحب بهم».
كما أشار إلى أن الغرب الآن وصل إلى مراجعة ذاتية وتعذيب ضمير يكفي لأن يعيد هؤلاء الناس المهجرين من دون أن يستمر في معاداتهم وتعذيبهم، معتقداً «بعدم تكرار عملية التعذيب والمعاناة بعد التجربة التي دفع الغرب، مثل ألمانيا وسويسرا، ثمنها غالياً مالاً ومواقف أخلاقية ضد الضمير والقانون والحق للتكفير عن أخطائها».
وقال «لست صاحب مشروع ولا أنوي إدارة حركة أو منظمة، إنما أطرح فكرة ليتداولها المجتمع الفلسطيني والعربي والدولي، باعتبارها الحل الوحيد الذي يستند إلى قوانين الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والأديان والأخلاق والمبادئ، وكل ماعدا ذلك مجرد حلول مصطنعة لن تدوم».
وأضاف «لقد سرنا خلال 62 عاماً ضمن حلول كنا نظن أنها الأسهل، غير أن ما حصل المزيد من تراجع وتعقيد القضية، رغم أن الطريق المستقيم هو الأقصر وإن كان يبدو الأبعد، حيث لا حل إلا ما هو الحق، ولن يعيد فلسطين إلا المقاومة، طالما هناك فلسطيني واحد بقي يناضل».

